ابن بسام

59

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

جلب إليه من ذلك كلّ علق خطير ، وتأنّق في مراكبه هو وأصحابه بالحلية التامّة بخالص اللّجين . عهدي به يوم فصوله لغزوته سنة ثمان وتسعين التي احتفل فيها لشانجة بن غرسية ، واستكثر فيها من العدّة والعدد ، فبرز على جواد من مقرباته [ 1 ] المنسوبة ، بأفخم تلك المراكب المسلسلة ، ولبوس درع فضيّة مطرّزة بالذهب ، وعلى رأسه خوذة [ 2 ] مثمّنة الشّكل ، محدّدة الرأس ، مرصّعة الطّرق بدرّ فاخر ، واسطته حجر ياقوت أحمر مرتفع القيمة ، قد لزم وسط الجيش ، وطرح الشعاع على سنّة وجهه ، فما رأى الناس بعده ملكا يعدله في البهاء والبهجة . وكانت مما راقت به دولته في الجمال ما تلاحق فيها [ 52 ] [ من ] غلمان أبيه العامريّين الناشئين [ 3 ] في دولة المنصور ، وكان قد وفّر عنايته بهم ، وجدّ في تدريبهم ، ووقف حذّاق المثاقفين [ 4 ] على تخريجهم ، فأثمر / غرسهم ، وأمكن جناهم ، وراقت جملتهم في الفروسيّة والرّماية ، وبلغوا ألفي غلام . وانهمك أيضا في اصطناع البرابرة العدويّين ، ودعا القبائل منهم إلى الدخول إليه والخدمة له . وكان من أعظم من هاجر إليه منهم زاوي بن زيري بن مناد الصّنهاجي عمّ أبي المعز بن باديس بن منصور صاحب إفريقية وصاحب الفرقة الخارجة عليه من أهل بيته . وكان المنصور أيامه قد التوى في الإذن له بالدخول إلى الأندلس حذرا من دهيه ومكره وبعد صيته في المغرب . فأضرب عبد الملك عن الفكر في شأنه [ 5 ] وطلب السّمعة باستخدام مثله ، فأدخله بمن معه من إخوته ، وهم من سعة النّعمة وبعد الهمم واستصغار الرغائب فيما يكون عليه أشباههم من أبناء الملوك ، فاستقلّوا ما وصلهم به عبد الملك على كثرته ، وما استقرّ [ وا ] الدار إلّا على قلعة ، ولا [ . . . ] معروفهم [ 6 ] ، ولا لبسوا أعالي المراتب السلطانية إلّا على ابتذال ومحقرة ، ولا قطعوا أمد المقام بالأندلس إلّا بذكر الرّحلة والتماس التسريح بكرة وعشيّة ، جهلا وفرط أنفة ، والأقدار موكّلة بثني عزم عبد الملك عن إسعافهم بسراحهم لما كان قدّره - عزّ وجهه - من الفتنة وتفريق شمل الأندلس

--> [ 1 ] ص : مغرياته . [ 2 ] ص : حزرة . [ 3 ] ص : الناسبين . [ 4 ] المثاقفون : الذين لديهم مهارة في المناجزة بالسيوف . [ 5 ] ص : في الفكر عن شأنه . [ 6 ] الجملة ناقصة ولعلها أن تكون في الأصل : ولا قبلوا معروفهم إلا على نية الرجعة ، أو شيئا شبيها بذلك .